عندما يُصبِح الشرف عاراً

1464684_10205467714396040_6684133217084652813_n

٧٤% نسبة مخيفة، أليس ذلك؟

سواءً كانت نتيجة إحصاء عن ظاهرة إيجابية أو سلبية فإنها تُعتَبَر أغلبية. هذا الرقم، أعزاءي القراء، هو نسبة الفتيات اللاتي يتعرضن للختان من سن 13 الي 17 في مصر، طبقاً لأخر مسح ديموغرافي لصندوق الأمم المتحدة للسكان عام 2008. الأدهى والأضل سبيلاً أن هذه النسبة المرتفعة ما هي إلا انخفاض عن النسبة السابقة التي كانت تٌقدر ب 91% للإناث ما بين 15 و49 في إحصاء عام 1995. نتيجةً لهذه الأرقام، تُصبح مصر من أعلي الدول في العالم في معدلات الختان. برغم أن انخفاض النِسب عبر السنوات أمراً يُبَشر بالخير، إلا أن الأرقام الحالية لا تزال غير مُطَمئنة بالمرة. قضية ختان الاناث من القضايا المُلحة بالنسبة للمرأة المصرية الا أن انحسار الضوء عنها كان بسبب ظهور قضايا أخري على الساحة في الفترة الأخيرة مثل التحرش وغيرها من المواضيع التي فَرَضت نفسها ولكن هذا لا يُقلل من أهميتها القصوى وضرورة الانتباه اليها.

ختان الاناث هو أي عمليةْ إزالة كلية أو جُزئية للأعضاء التناسلية الخارجية للفتاة دون وجود سبب طبي. يوجد حوالي أربعة أنواع من الختان والتي تختلف حَسَب مدي استئصال جزء من الأعضاء التناسلية. يختلف العلماء حول نشأة فكرة الختان عامةً ولكن المؤكد أنها بدأت من أكثر من 2000 سنة في بعض المناطق بجنوب أفريقيا. طبقاً لموقع ديسكفري نيوز، ذُكِر الختان لأول مرة في مصر خلال موسوعة “جيوغرافيكا” للمؤرخ الاغريقي سترابو الذي زار مصر عام 25 قبل الميلاد. أغلب الدلائل وقتها تُشير الي عمليات الختان للذكور كنوع من النظافة الشخصية ولكن تُشير بردية اغريقية ترجع الي عام 163 قبل الميلاد بممفيس في مصر أن الاناث كانوا يخضعن للختان كنوع من التهيئة والتحضير لهن قبل الزواج. على مر السنوات، تَطَوَر موضوع الختان واختلَط بمفاهيم اجتماعية ودينية مغلوطة ليصبح عادة متأصلة في نسيج المجتمع. ولكن ما الذي يدفع الناس الي تعريض بناتهم الي هذه العملية المؤلمة؟ دائماً ما يقوم الناس بعمليات الختان لاعتقادهم أن هذا يصون عفة الفتاة وعُذريتها ويحميها من الوقوع في الخطيئة عن طريق كبح شهوتها عند البلوغ. عملية الختان تُعتَبَر اعداداً للفتاة للانتقال الي مرحلة الرُشد والزواج بل وتدل على صحتها وشرف أسرتها. الي جانب أن الاحتفالات والهدايا والشعور بانتماء الفتاة للمجتمع والاعتراف بها يجعل من الصعب التخلي عن هذه العادة برغم بشاعتها وآلامها وأحياناً يجعل الفتاة نفسها راغبة في الختان من فرط الضغوط المجتمعية المُتعلقة به. مجرد التفكير في عدم القيام بهذه العملية يُعتَبَر رفضاً للعادات والتقاليد المُتوارَثة وفُقداناً لمكانة الأسرة الاجتماعية. يقتنع البعض أيضاً بضرورة ختان الاناث من منطلق ديني على الرغم من عدم وجود أي نصوص دينية صريحة تدعو لتشويه الفتاة بهذا الشكل. مع أخذ النقاط السابقة بعين الاعتبار، نستطيع أن نفهم الآليات الاجتماعية والنفسية التي تُعزز أهمية ختان الفتاة والسبب وراء عدم اختفاء أو على الأقل انحدار ملحوظ لهذه الظاهرة في السنوات الماضية.

مضاعفات عملية ختان الاناث خطيرة جداً ومن ضمنها الآلام المبرحة التي تصل حتى فُقدان الوعي والنزيف الحاد والإصابة بعدوي بكتيرية وأحياناً الوفاة نتيجة الظروف والأدوات غير الصحية المُستخدمة في إتمام هذه العملية. بعض النتائج بعيدة المدي تشمل الإصابة بفيروس الأيدز والتقرحات والتعرض بشكل متكرر للعدوي والعقم ومخاطر أثناء الولادة، طبقاً لمنظمة الصحة العالمية. طبعاً بالإضافة الي الأضرار النفسية الجسيمة التي تلحق بالفتاة جراء التجربة اللا آدمية التي تمُر بها. الجدير بالذكر أن العلم الحديث أثبت أن الأسباب التي تدفع الأهالي بالزَج ببناتهم الي هذه العملية ما هي إلا أسباب واهية وغير صحيحة. فالاعتقاد السائد أن الرغبة أو الاستمتاع مصدرهما الأعضاء التناسلية هو في الحقيقة مغالطة طبية لأن الهيبوثالاماس، وهو جزء في المخ، هو المسئول عن افراز الهرمونات التي تتحكم بالرغبة. إذن يمكننا الاستِنتاج أن استئصال جزء أو كل الأعضاء التناسلية الخارجية للمرأة لن يمنع شهوتها، والمفروض أن هذا هو الغرض الأساسي من الختان، بل سيؤثر بشكل كبير على درجة استمتاعها ومن ثَم على علاقتها الزوجية، طبقاً لآخر إحصاء لصندوق الأمم المتحدة للسكان.

بعد سرد هذه الحقائق الصادمة يصبح إصرار الأهالي على تعريض بناتهم للختان أمراً غير منطقي لأن الاضرار السلبية أكثر بكثير من أي فائدة مُحتملة، إذا فرضنا أن للختان فائدة من الأساس. الموضوع له أبعاد وجوانب أُخري. الختان هو أحد أشكال التمييز ضد المرأة بحيث تُقلل من شأنها وتُظهرها على أنها لا تستطيع التحكم في شهواتها. أيضاً تجربة الختان البشعة تجعل المرأة تكره أنوثتها وجسدها وتَنظُر الي نفسها فيما بعد على أنها كائن مهمته الأولي والأخيرة إتمام عملية التكاثر فقط وتلغي من فِكرها أن متعتها مهمة مما يعكس بشدة نظرة المجتمع للمرأة على أنها أداة مُسخرة لمتعة الرجل فحسب. من ناحية أخري فإن عملية الختان تسلِب المرأة حرية التصرف في جسدها وتحرمها من الاستمتاع بأبسط حقوقها وتُعرِض حياتها للخطر، مما يُعد انتهاكاً واضحاً وصريحاً لحقوق المرأة. من المُلاحَظ أن المجتمع المصري بل والعربي كله يملك هذا الهوس بحياة المرأة الجنسية بدون مبرر ودائماً ما يضعها تحت الميكروسكوب من أجل التصيد لأي خطأ أو حتى احتمالاً للخطأ وهذا يدل على أن العائلات تخاف من بناتهم وليس عليهم ويهتمون بسمعة وشرف العائلة أكثر من شرف البنت نفسها. بالإضافة الي ذلك، فكرة ربط شرف العائلة وبالأخص الرجال بأفعال المرأة وتصرفاتها يُعزز من فكرة أن المرأة يجب أن تظل دائماً وأبداً تحت سيطرة الرجل وخاضعةً لرغباته هو أولاً. طبعاً انتشار هذا الموضوع يَنُم عن جهل سائد ومجتمع ذكوري بائد يجد مُبرِرات للتحكُم في المرأة وكبت حريتها وعدم إعطائها أي فرصة لتشعر بالاستقلالية في أي جانب من حياتها لأن هذا، في نَظَر الرجل، يُهدِد سلطته الزائفة النابعة أصلاً من عُقدة نقص توهمه أن قوته تكمن في مدي قهره وقمعُه للمرأة. مما يؤدي الي خوف الرجل المُستمر من حصول المرأة على أي قوة حتى وإن كانت من حقها لكيلا تُشكِل تهديداً له. من ناحية أخري فإن موضوع الختان يُثبت أننا مجتمع يهتم بالمظاهر الخارجية بدليل أن بعض الناس يربطون شرف وعفة المرأة بعضو من أعضاء جسمها. فختانها لن يمنعها من فعل ما يحلو لها سواء كان صحيح أم خاطئ، والذي سيؤثر حتماً على احترامها بين الناس، لكن المجتمع لا يأبه بما وراء القوالب والمُصنَفات التي يضع كل شخص فيها فطالما كان الشخص يمشي ظاهرياً وِفق المنهج المُحَدد ضيق الأُفُق ولا يحيد عنه سيكون في نظر المجتمع فرداً صالحاً حتى وإن كان باطنه عكس ذلك.

النِسَب مازالت مرتفعة والاحصائيات مازالت مُقلِقة والمرأة مازالت تُعاني نتيجة أفكار بائدة وتُجبَر على مالا تطيق لمجرد السعي وراء تقاليد وعادات أشبه بالخرافات أو أخطر منها بقليل. الي متي سَتَظَل بناتنا تُعاني حتى نتوقف عن هذا الفعل الهمجي؟ الي متي سَتَظل المرأة أسيرة لتقييم المجتمع المُتَعَسِف لها؟ الي متي سَتَظل تحت رحمة من يُقيمها وِفقاً لجسدها وليس عقلها؟

You can view the article here on page 51

Advertisements

One thought on “عندما يُصبِح الشرف عاراً”

Leave a Reply

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s